حسن بن عبد الله السيرافي

229

شرح كتاب سيبويه

عطفت فعلا على فعل لا يشاكله في معناه ، ولا يدخل عليه حرف النهي كما دخل على الذي قبله ، استحق النصب بالخلاف ، كما استحق ذلك الاسم المعطوف على ما لا يشاكله في قولهم : لو تركت والأسد لأكلك ، من قبل أن الأفعال فروع الأسماء ؛ فإذا كان الخلاف في الأصل يوجب النصب ، كان ذلك قائما صحيحا في الفرع . والخلاف الذي يوجب النصب في الأسماء عندهم أشياء منها : نصب الظروف بعد الأسماء . كقولك : زيد خلفك ، وزيد عندك ، لما خالف ( خلفك ) و ( عندك ) ما قبلهما انتصبا بالخلاف ، وقد تكلمت على هذا فيما مضى . ومنها ما قاله الفراء وأصحابه : لو تركت والأسد لأكلك ، ( الأسد ) منصوب على الخلاف في ( التاء ) ، لأنه لا يصلح أن يقال : لو تركت وترك الأسد ، من قبل أن الأسد لا يقدر عليه فيمسك ويترك ؛ ثم قال بعد هذا : فإذا قالت العرب : لو ترك زيد والأسد لأكله ، آثروا الرفع لموافقة الأسد زيدا ، لأنها ظاهران ) ) . قال أبو سعيد : إن كان مخالفة الثاني للأول ؛ لأن الأول مكني والثاني ظاهر ، فلا فرق بين ( لو تركت والأسد ) وبين ( ضربت وزيد ) و ( قمت وزيد ) أكّد الضمير أو لم يؤكّد ؛ وإن كان الخلاف بين الأول والثاني لأن التّرك في الأول على غير وجه ترك الثاني ، فلا فرق بين الاسمين الظاهرين وبين الاسمين إذا كان أحدهما مضمرا في مخالفة أحدهما للآخر في الترك . واحتجاج الذي احتج للخلاف بأنه لا يصلح أن يقال : لو تركت وترك الأسد من قبل أن الأسد عليه فيمسك ويترك ركيك جدا ، لأن الخلاف إذا كان من أجل أن الأسد لا يقدر عليه ، إذا قلنا : لو ترك زيد والأسد ، وهذا كلام صدر عن غير تأمّل . ومما يفسر قول من جعل النصب بالخلاف في الأسماء ، وقاس الفعل عليه ، العطف الذي يوفق بين الإعرابين ، ويخالف بين المعنيين في الأسماء ، وذلك قولك : ما مررت بزيد لكن بعمرو ، وما قام زيد لكن عمرو وما رأيت زيدا لكن عمرا ؛ وما بعد ( لكن ) يخالف ما قبلها ؛ وكذلك ( لا ) في العطف إذا قلت : جاءني زيد لا عمرو ، ومررت بزيد لا عمرو ورأيت زيدا لا عمرا . وأما أبو عمر الجرمي فقد احتج عليه أبو العباس محمد بن يزيد وغيره بما احتج به سيبويه ، وذلك أن سيبويه قال : لو كانت ( الفاء ) و ( الواو ) و ( أو ) ينصبن لأدخلت عليها ( الفاء ) و ( الواو ) للعطف ؛ فلزم الجرمي مما قال سيبويه أن يقول : ما أنت بصاحبي فأكرمك ، وفأحدثك ، لأن ( الفاء ) هي الناصبة .